السعيد شنوقة

215

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

فكل من ضل هو مستبدل خلاف الفطرة » « 1 » . وهم اعتمدوا على العقل في استخراج الدليل من القرآن الكريم على غرار منهج الفقهاء في استنباط الأحكام كالدليل الجغرافي في قوله سبحانه : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ [ البقر : 19 ] : فالسحاب ينحدر من السماء التي يأخذ منها ماءه ، وليس كما زعم الزاعمون أنه يأخذها من البحر « 2 » ، ويؤيد هذا قوله عز وجل : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [ النور : 43 ] كالدليل الديني في الخروج على أمراء الظلم والجور من قوله تعالى : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [ النساء : 59 ] فسر الزمخشري قائلا : إن اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم في أمر من أمور الدين فارجعوا فيه إلى كتاب الله العزيز وسنة رسوله ، وبأنه لا تلزم طاعة أمراء الجور الذين أمرهم الله سبحانه أولا بأداء الأمانات ، وبالعدل في الحكم وأمرهم آخرا بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل « 3 » . وقد حملهم غلوّهم لمحاولة استخراج أدلة على الغيبيات من القرآن الكريم ، وهي التي ليس في إمكان العقل إدراك أمورها ؛ منها قول الزمخشري عند قوله فوق النار » « 4 » . إلا أن هذه الأمثلة تدل على نزوع عقلي خالص لا تتعلق بأصولهم الاعتزالية دون أن ننسى أنهم يعتدون بالعقل ويعطونه أهميته ويعتمدون عليه اعتمادا . ومن استدلالهم العقلي المتجاوب مع مذهبهم أنهم قالوا في هذا السياق : إن الأنبياء بعثوا رسلا لينبّهوا من الغفلة ويبعثوا على النظر ؛ قال الزمخشري عند قوله تعالى : وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [ آل عمران : 50 ] « فإن قلت : كيف جعل القول آية من ربه ؟ قلت : لأن الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل حيث هداه النظر في أدلة العقل والاستدلال » « 5 » وأضاف عند تفسيره قوله سبحانه : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا

--> ( 1 ) م ن ، ج 1 ، ص 190 . ( 2 ) انظر الكشاف ، ج 1 ، ص 214 - 215 . ( 3 ) انظر الكشاف ، ج 1 ، ص ، 536 وكذا د . مصطفى الضاوي الجويني ، منهج الزمخشري في تفسير القرآن ، ص 106 . ( 4 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 82 . ( 5 ) م ن ، ج 1 ، ص 432 .